7 مارس 2021م
كان لشهر يناير عام 2011م، أكبر الأثر في
إحداث تغيير جوهري في منظومة الشرق الأوسط الحاكمة، فقد كانت مصر هي القوة المؤثرة
في تلك المنطقة الخطرة، والملتهبة، فكانت هي المرجعية العربية، ومحكمة العدل
للمظلومية الإسرائيلية، وحصن يحمي الفصائل الفلسطينية.
وتعود بداية مصر في أخذ هذا الموضع الرفيع في
الشرق الأوسط منذ أن أعادة العلاقات الدبلوماسية
مع الدول العربية معها عام 1989م، كما كان لشخصية الرئيس/ مبارك، دور كبير في فرض
مصر كدولة رائدة سياسياً في الشرق الأوسط.
وعندما تولى الرئيس/ محمد مرسي، سدة الحكم في
البلاد، كان يريد أن يعزز من قوة مصر السياسية، بأخرى إقتصادية.
ولكن .. في خلال العام والنصف، منذ فبراير
2011م حتى يوليو 2012م، حدث تغيير كبير في منطقة الشرق الأوسط، فقد بدأت تظهر قوى
أخرى في المنطقة، ليس لأنها أرادت في يوم ما أن يكون لها دور رائد أو فعال، وإنما
حكمت الظروف والملابسات على تلك القوى الجديدة أن تفرض نفسها في المشهد السياسي،
وتمثلت تلك القوى في كل من قطر، والسعودية، والإمارات.
ولم يكن لتلك القوى الجديدة أي قوة حقيقية
على الأرض، قبل 25 يناير 2011م، إلا أن الثلاثة دول تمتلك المال الكثير، والكافي
لفرض رؤيتها الخاصة، حتى وإن إختلفت رؤية قطر عن السعودية والإمارات، إذ رأت (قطر)
أن التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين، يعد تعاون مع المستقبل القريب، والذي بات
على الجميع الإعتراف به.
إلا أن الموقف القطري، كان نابعاً لرواسب
أخرى قديمة، فكان رداً على كل من نظام مبارك السابق، والنظام السعودي تحديداً، أي
كان تحيزها لجماعة الإخوان المسلمين، ثأر من كلا النظامين، أكثر منه قناعة بحكم
الإسلاميين، بينما كانت كُل من الإمارات والسعودية تجدان تخوفاً من وصول جماعة
الإخوان المسلمين إلى الحكم.
وبعد وصول الجيش المصري إلى سدة الحكم عام
2013م، إنتبه إلى قاعدة سياسية مفادها :
أن حساب الكبار دائماً ما يكون شديداً،
فالكبير يكون محط أنظار الجميع، ويحمل على كاهله هموم كثيرة، كما أن خصومه يأتون
من كُل صوب وحدب، وليس مثالُ أقربُ على ذلك مما حدث مع نظام حكم حسني مبارك.
لذا تخلت مصر بعد منتصف 2013م، عن العديد من
مواقعها الرائدة في الشرق الأوسط، بل وتركت الساحة لمزيد من اللاعبين، فظهر على
السطح القوى الخليجية الثلاثة (قطر، والسعودية، والإمارات).
وهنا تشتت أنظار المراقبين، وبدلاً من التركيز
على مصر .. كانت أخطاء القوى الخليجية الثلاثة، محط أنظار العالم الحاكم والكبير،
لكن .. عندما أتى الرئيس/ دونالد ترمب إلى سدة الحكم، ترك الجميع يلعب كيفما يشاء
في ملفاته الداخلية، حتى وإن خالفوا قواعد اللعب الأمريكية، وعلى الجانب الآخر كما
ذكرنا آنفاً تخلت مصر عن العديد من مقاعدها الرائدة في المنطقة، تاركة إياها لقوى
خليجية جديدة، فاتجهت الأنظار الأمريكية إليها، مراقبة إياها، لرصد كافة أخطاءها، مع
وعد بعدم المحاسبة.
وكما سبق وذكرنا، فإن الدور القيادي ليس
بالأمر اليسير، فالكبير دائماً ما يكون مضغوطاً بأمور لا يعيها الصغار، وعندما
أصبح في الشرق الأوسط الآن، كبارُ آخرين ظهروا على السطح، إذ بنا نجد أن ملف
التطبيع مع إسرائيل يجد قبولاً من دول عربية سبق وقاطعت مصر يوم أن وقعت إتفاقية
كامب ديفيد عام 1979م !، وفي الواقع لا عجب في الأمر، لأن تلك الغييرات قد طرأت فقط
لتبؤهم مقاعد أكبر مما كانوا يشغلونها من قبل.
إن الأمر بإختصار شديد، أو بتمثيل مبسط، هو كشخص
يريد الخوض في مضمار السياسة، من أجل المجد والتاريخ، مع علمه المسبق بأن الضريبة
قد تكون السجن أو القتل، وشخص آخر، ينأى بنفسه عن مضمار السياسة، ويفضل أن يكون من
رجال المال، فيعيش حياة سعيدة رغدة، لا تهددها أخطار السياسة.
وكان لوصول الرئيس/ بايدن، إلى سدة الحكم،
كشف عن تلك التغيرات التي طرأت على منطقة الشرق الأوسط، فما كانت تحاسب عليه مصر
إبان حكم الرئيس/ مبارك، باتت تشاركها في المحاسبة الآن دول خليجية أخرى.
لكن ليس بايدن كمن سبقه، لذا سيتغير الكثير
في الشرق الأوسط، حتى وإن لم يكن بيد أمريكا مباشرة، وها هو التغيير بالفعل قد بدأ
بمصالحة دول الخليج، ومصر، مع دولة قطر، إنها مصالحة تكتيكية تهدف إلى الحد من الخطورة
أو بمعنى أحرى للحد من محاسبة الرئيس/ بايدن لأنظمة الشرق الأوسط، فيكون الموقف
العربي موحداً، عن باقي أنظمة المنطقة التي تتشاركهم فيها كُل من إيران، وتركيا،
وإسرائيل.
لكن ليست المصالحة مع قطر هي نهاية
التغييرات، بل سنشهد العديد والعديد من تغيرات ستطرأ خلال الأيام القادمة.
نسأل المولى الهداية والحكمة
شادي طلعت
![]() |
| بقلم شادي طلعت : بايدن يكشف التغيير في الشرق الأوسط |
